صلاح فضلملامح شعرية الإحياء عند الجواهرى (١-٢)صلاح فضلالخميس 08-11-2018 23:54

اشترك لتصلك أهم الأخبار


توهجت شعرية مهدى الجواهرى منذ مطلع العشرينيات من القرن الماضى فى العراق حتى بلغت ذروتها فى منتصف القرن، ثم أخذت فى انكسار الضوء التدريجى خلال النصف الثانى بأكمله، لكنه كان قد أصبح أسطورة حية لإصرار التيار الإحيائى على أن يكون ملء السمع، خصوصاً بعد اجتياح التيارات الأخرى- الرومانسية الوجدانية والواقعية المتحررة للفضاء العربى كله، أصبح يمثل مع البرادونى فى اليمن وبدوى الجبل وعمر أبوريشة فى سوريا والأخطل الصغير وسعيد عقل فى لبنان شاهداً على تجاور العصور وتعدد الاتجاهات واستمرار حيوية الشعر العمودى وقدرته على منافسة الحداثة الشعرية بضراوة وجماهيرية كاسحة. كان الشاعر النجفى الذى تربى فى أروقة العتبات المقدسة وتشرب بلاغة القرآن ومأثورات نهج البلاغة وعيون الشعر القديم قد وجد مثله الأعلى فى أبى الطيب المتنبى على وجه الخصوص، بينما توزعت اهتمامات الشعراء الإحيائيين منذ البارودى حتى شوقى وحافظ والزهاوى والرصافى وغيرهم على خارطة الشعر وأعلامه فى العصور المختلفة، تفرد الجواهرى برؤية نفسه تجسيداً حياً معاصراً للمتنبى، عندما شرع فى كتابة مذكراته تساءل: ماذا لو كان أبوالطيب قد كتب مذكراته، وعندما أخذ عليه إسرافه فى التغنى بجمال إيران وفارس، وقامت معركة شرسة بينه وبين ساطع الحصرى الذى اتهم الشاعر بالشعوبية احتج بأن المتنبى سبق له أن قال:

مغانى الشعب طيباً فى المغانى/ بمنزلة الربيع من الزمان

فصارت إيران فى منظوره- كما يقول فى مذكراته- «الدنيا الفسيحة التى تتفجر كل بقعة من بقاعها ينابيع الصباحة والجمال.. كانت قصيدتى المدوية فى «شمرانات طهران» قد أثارت ضدى ضجة مفتعلة ومحمومة، بدلت مسيرة حياتى ومسيرة حياة خصومى، حيث أقول:

«هب النسيم فهبت الأشواق/ وهنا إليكم قلبه الخفاق

هى فارس وهواؤها ريح الصبا/ وسماؤها الأغصان والأوراق

لى فى العراق عصابة لولاهم/ ما كان محبوباً إلىَّ عراق»

هذا البيت الأخير دعا ساطع الحصرى، وكان مديراً للمعارف حينئذ- أن يتهمه بأن فيه «شبهة التنصل من العراق والتمدح بإيران» ويطلب منه أن يثبت جنسيته العراقية وانتهى الأمر بفصله من التدريس، حيث قال الحصرى «إما أنا أو هذا الشاب النجفى ذو العمة الصغيرة والذقن الخفيفة» هذا الصراع المبكر فى العشرينيات جعل الجواهرى يرفع نبرة عروبته الجهيرة فى كل شعره بقية حياته ليدع هذه التهمة، ويعلن عداءه الصريح للطائفية التى تعشش فى قلب المجتمع العراقى وتطل برأسها من حين لآخر، ويتوالى الدفاع الحماسى عن قضايا الشعب العربى بأكمله فيهاجم الصهيونية بشراسة تحرج طه حسين فى مجلة الكاتب وهو معجب به وحريص على نشر شعره، كان عشق الجواهرى للمتنبى وتنصيبه المثل الأعلى قد حدد نوعية مزاجه الشعرى الذى غرق فى مياه السياسة المباشرة فأصبحت قصائده «بيانات بليغة» تتعقب الأحداث الجارية، خصوصاً فى المجتمع العراقى المحلى، حتى إن السفرين اللذين خطهما بعد ذلك فى مذكراته يصبحان مجرد هوامش شارحة للإشارات السياسية فى قصائده طيلة عمره.

اشتغل الشاعر منذ مطلع شبابه بالسياسة والصحافة، فكان يعتز بأنه أسس كبريات الصحف التى تمثل جملة الأحزاب وكل طبقات المجتمع المتنفذة، ولم يكن شعره فى نبرته الخطابية العالية سوى صدى بياناً قوياً لهذا السماع المجتمعى، فهو منعم بروح الخطابة الشفوية، يجسد الذائقة الشائعة فيملأ الأسماع ويطرب القلوب دون أن يتضمن أى انحراف أيديولوجى متطرف نحو الشيوعية مثلاً، أو أى شذوذ طليعى تجاه الحركة الفنية، أو أية ريادة جديدة فى أساليب الشعر الحديث. كان يبلغ بجدارة أقصى ما يمكن أن يبلغه شاعر قبيل منتصف القرن من جماهيرية فائقة، وهو يعترف فخوراً بذلك فيقول «لا يخطر على بالى- وأنا أكتب القصيدة- سوى أن تكون سبيلاً ومدخلاً إلى الجماهير لا أكثر.. لأقول الكلمة الجريئة الحق، ولأعبر عن نفسى وعن ضوالجها» هذا هو ترتيب الأهمية: التعبير عن شعور الآخرين ثم عن النفس المتناغمة معهم، من هنا أطلق على مذهبه أنه «شعر السماع المجتمعى الجهير» ولنأخذ نموذجاً واضحاً على ذلك قصيدة الأثيرة «أجب أيها القلب» حيث يقول:

«برمت بلوم اللائمين وقولهم/ أأنت إلى تغريده غير راجع

أأنت تركت الشعر غير محاول/ أم الشعر إذ حاولت غير مطاوع

أجب أيها القلب الذى لست ناطقاً/ إذا لم أشاوره ولست بسامع

وحدّث فإن القوم يدرون ظاهراً/ وتخفى عليهم خافيات الدوافع

يظنون أن الشعر قبسة قابس/ متى ما أرادوه وسلعة بائع

قساة محبوك الكثيرون.. إنهم/ يرونك إن لم تلتهب غير نافع

وما فارقتنى الملهبات وإنما/ تطامنت حتى جمرها غير لاذع».

قد يعجبك أيضا‎

قد يعجبك أيضا

الأخبار العاجلة

النشرة البريدية